الجصاص

480

أحكام القرآن

رأسه ، فقام رجل من الصحابة فقال : يا رسول الله إن لم تك لك بها حاجة فزوجنيها ! وذكر الحديث ، إلى قوله : فقال : معي سورة كذا وسورة كذا ، فقال : " اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن " . ففي هذا الحديث أنه عقد له النكاح بلفظ التمليك ، والهبة من ألفاظ التمليك ، فوجب أن يجوز بها عقد النكاح ، ولأنه إذا ثبت بلفظ التمليك بالسنة ثبت بلفظ الهبة إذ لم يفرق أحد بينهما . فإن قيل : قد روي أنه قال : " قد زوجتك بما معك من القرآن " . قيل له : يجوز أن يكون ذكر مرة التزويج ثم ذكر لفظ التمليك ليبين أنهما سواء في جواز عقد النكاح بهما . وأيضا لما أشبه عقد النكاح عقود التمليكات في إطلاقه من غير ذكر الوقت وكان التوقيت يفسده ، وجب أن يجوز بلفظ التمليك والهبة كجواز سائر الأشياء المملوكة ، وهذا أصل في جواز سائر ألفاظ التمليك . ولا يجوز بلفظ الإباحة لأن لذلك أصلا آخر يمنع جوازه وهو المتعة التي حرمها النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعنى المتعة إباحة التمتع بها ، فكل ما كان من ألفاظ الإباحة لم ينعقد به عقد النكاح قياسا على المتعة ، وكل ما كان من ألفاظ التمليك ينعقد به النكاح قياسا على سائر عقود التمليكات لشبهه بها من الوجوه التي ذكرنا . وقد اختلف في المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فروي عن ابن عباس رواية وعكرمة : " أنها ميمونة بنت الحارث " . وقال علي بن الحسن : " هي أم شريك الدوسية " . وعن الشعبي : " أنها امرأة من الأنصار " . وقيل : " إنها زينب بنت خزيمة الأنصارية " . قوله تعالى : ( قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ) ، قال قتادة : " فرض أن لا ينكح امرأة إلا بولي وشاهدين وصداق ، ولا ينكح الرجل إلا أربعا " . وقال مجاهد وسعيد بن جبير : " أربع " . قال أبو بكر : وقوله : ( وما ملكت أيمانهم ) يعني ما أباح لهم بملك اليمين كما أباحه للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله : ( لكيلا يكون عليك حرج ) يرجع والله أعلم إلى قوله : ( إنا أحللنا لك أزواجك ) وما ذكر بعده فيما أباحه للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يضيق عليه ، لأن الحرج الضيق ، فأخبر تعالى بتوسعته على النبي صلى الله عليه وسلم فيما أباحه له وعلى المؤمنين فيما أطلقه لهم . قوله تعالى : ( ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ) . حدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال : حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن أبي رزين في قوله تعالى : ( ترجي من تشاء منهن ) : المرجات ميمونة وسودة وصفية وجويرية وأم حبيبة وكانت عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب سواء في القسم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يساوي بينهن . وحدثنا عبد الله بن محمد بن إسحاق قال : حدثنا